السيد الطباطبائي

311

تفسير الميزان

قوله تعالى : ( ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم ) أي ولو أنهم صبروا عن ندائك فلم ينادونك حتى تخرج إليهم لكان خيرا لما فيه من حسن الأدب ورعاية التعظيم والتوقير لمقام الرسالة ، وكان ذلك مقربا لهم إلى مغفرة الله ورحمته لأنه غفور رحيم . فقوله : ( والله غفور رحيم كالناظر إلى ما ذكر من الصبر ويمكن أن يكون ناظرا إلى كون أكثرهم لا يعقلون والمعنى : أن ما صدر عنهم من الجهالة وسوء الأدب معفو عنه لأنه لم يكن عن تعقل وفهم منهم بل عن قصور في ذلك والله غفور رحيم . قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) الخ ، الفاسق - كما قيل - الخارج عن الطاعة إلى المعصية ، والنبأ الخبر العظيم الشأن ، والتبين الاستبانة والإبانة - على ما في الصحاح - بمعنى واحد وهي تتعدى ولا تتعدى فإذا تعدت كانت بمعنى الايضاح والاظهار يقال : تبينت الامر واستبنته وأبنته أي أو ضحته وأظهرته ، وإذا لزمت كانت بمعنى الاتضاح والظهور يقال : أبان الامر واستبان وتبين أي اتضح وظهر . ومعنى الآية : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بخبر ذي شأن فتبينوا خبره بالبحث والفحص للوقوف على حقيقته حذر أن تصيبوا قوما بجهالة فتصيروا نادمين على ما فعلتم بهم . وقد أمضى الله سبحانه في هذه الآية أصل العمل بالخبر وهو من الأصول العقلائية التي يبتني عليه أساس الحياة الاجتماعية الانسانية ، وأمر بالتبين في خبر الفاسق وهو في معنى النهي عن العمل بخبره ، وحقيقته الكشف عن عدم اعتبار حجيته وهذا أيضا كالامضاء لما بني عليه العقلاء من عدم حجية الخبر الذي لا يوثق بمن يخبر به وعدم ترتيب الأثر على خبره . بيان ذلك : أن حياة الانسان حياة علمية يبني فيها سلوكه طريق الحياة على ما يشاهده من الخير والشر والنافع والضار والرأي الذي يأخذ به فيه ، ولا يتيسر له ذلك إلا فيما هو بمرأى منه ومشهد ، وما غاب عنه مما تتعلق به حياته ومعاشه أكثر مما يحضره وأكثر فاضطر إلى تتميم ما عنده من العلم بما هو عند غيره من العلم الحاصل بالمشاهدة والنظر ، ولا طريق إليه إلا السمع وهو الخبر .